الأطفال والإرهاب

 

لما كان السياسة التشريعية و سلطة إصدار القوانين و سنها تكون نابعةً و متماشيةً مع احتياجات المجتمع لتلبية خدماته و احتياجاته و لما كان ظهور ظروف و حالات جديدة في المجتمع يستدعي تدخل السلطة التشريعية بإصدار قوانين أو تعديلها لمواكبة و معالجة هذه الظروف الطارئة ولما بتنا نشهد في الآونة الأخيرة و في ظل ظروف هذه الأزمة التي تشهدها بلادنا مؤخراً اعتداءاً على الأطفال و حقهم في عيش طفولةٍ بريئةٍ و هادئة ، وذلك باستغلال الأطفال و إشراكهم في عمليات إجرامية تدمر طفولتهم أولاً و تسهم في تدمير مجتمعهم ثانياً إضافة إلى حالات الاعتداء الجنسي و الاغتصاب التي تقع على هؤلاء الأطفال ,الأمر الذي استدعى التدخل من جانب السلطة المختصة لتعديل النصوص القانونية لمواجهة هذه الحالات و الحد منها ، وهو ما فعلته الحكومة بإقرارها مشروع قانون يقضي بإضافة فقرة إلى قانون العقوبات تنص على عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة من عشر إلى سنين عشرين سنة، والغرامة من مليون إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية لكل من جنّد طفلاً دون سن الثامنة عشرة من عمره بقصد إشراكه في عمليات قتالية أو غيرها من الأعمال المتصلة بها، كحمل الأسلحة أو المعدات أو الذخيرة أو نقلها أو زراعة المتفجرات أو الاستخدام في نقاط التفتيش أو المراقبة أو الاستطلاع أو تشتيت الانتباه، أو استخدمه درعاً بشرية، أو في مساعدة الجناة وخدمتهم بأي شكل من الأشكال، أو غير ذلك من الأعمال القتالية.

ويشدد مشروع القانون العقوبة المشار إليها إلى الأشغال الشاقة المؤبدة إذا نجم عن الفعل إحداث عاهة دائمة بالطفل، أو الاعتداء الجنسي عليه، أو إعطائه مواد مخدرة أو أياً من المؤثرات العقلية، وتكون العقوبة الإعدام إذا أدى الجرم إلى وفاة الطفل

وتعديل المادة 489 من قانون العقوبات لتعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة كل من أكره غير زوجه بالعنف أو بالتهديد على الجماع، وتكون العقوبة الإعدام إذا لم يتم المعتدى عليه الخامسة عشرة من العمر أو إذا وقع الجرم تحت تهديد السلاح

 

فحسناً فعلت الحكومة في نهجها هذا الذي تضمن هذه العقوبات المشددة لعله يكون رادعاً لهؤلاء المجرمين الذين يحاولون الاعتداء على حق الطفولة و سرقة الأطفال من عالمهم الخاص و لعله يسهم في حماية الأسرة و حماية الأطفال من محاولة إقحامهم في عالم الجريمة و الانحراف وذلك نظراً لسهولة استغلال هؤلاء الأطفال من قبل أصحاب النفوس الضعيفة و التأثير عليهم لضعف الإدراك و التميز لدى الطفل و كون ملكاته العقلية لم تكتمل بعد إضافة إلى كونه لا يتمتع بالوعي و الإدراك الذي يتميز به البالغون عادةً مما يسهل معه التأثير عليهم و اقتيادهم إلى عالم الإجرام و الإنحراف و لما لهذا الأمر من ضررٍ بالغ كون الأطفال هم عماد المستقبل و أمل المجتمع و العمود الفقري لأسرهم فإن انحرافهم يعد ضرراً على أنفسهم و على مجتمعهم حيث تمتد الخسائر إلى تلك الخامات و الطاقات البشرية و إلى ما يمكن أن يقدموه للمجتمع من طاقة و إنتاج يسهم في دفع عجلة الرقي و التطور إلى الأمام فإن خسائر المجتمع تتمثل في النتائج الضارة للإجرام من جهة و من تعطيل وفقد هذه الطاقات الخلاقة المتمثلة بالشباب من جهة أخرى .

وبناءً على هذا التعديل الذي جاء به مشروع القانون و الذي أضاف به نصاً لم يكن موجوداً في قانون العقوبات و الذي اعتبر بموجبه تجنيد الطفل و إشراكه في عمليات قتالية مجّرماً بالقانون ، أضحى بإمكان ولي الحدث أو المسؤول عنه مقاضاة هذا المجرم قضائياً بأن ينصب من نفسه مدعياً شخصياً طالباً معاقبته بالعقوبة التي يقتضيها فعله و ذلك استناداً إلى المادة 57 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تتيح لكل شخص يعد نفسه متضرراً من جراء جناية أو جنحة أن يقدم شكوى يتخذ فيها صفة الإدعاء الشخصي وذلك على الضرر اللاحق به و بطفله الذي هو تحت رعايته و مسؤوليته من جراء هذا الجرم الواقع عليه, ونتمنى عند صدور القانون أن يتضمن نصاً صريحاً على هذا الحق .

كما أن تعديل النص المتعلق بجرم الاغتصاب و تشديد عقوبة فاعله هو أمرٌ في غاية الأهمية نظراً لما هذه الجريمة البشعة من أثرٍ بالغ ينالُ من كرامة المرأة و ووجودها الإنساني ولما له من آثار نفسية اجتماعية على شخص المجني عليها و أسرتها و لكن حبذا لو لم يقتصر هذا التعديل على جريمة الاغتصاب فحسب ، بل امتد على جميع الأفعال التي تشكل اعتداءً على الشرف و العرض و التي منها الفعل المنافي للحشمة المادة 493 ع.ع و جرائم الإغواء والخطف المادة 500-504 ع.ع كونها تشترك جميعها في الغاية التي حرص المشرع على حمايتها و صونها و هي الشرف و الكرامة فصحيحٌ أن الاغتصاب يعد أشدها و أخطرها كونه يفقد الفتاة المعتدى عليها عذريتها و يحرمها من فرصها في الزاوج إلا أن باقي الجرائم لا تقل عنها خطورة لما لها من آثار بالغة على الفتاة المعتدى عليها و على أسرتها .

 

Scroll to Top